الغزالي

71

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

فقد روي أن نوحا عليه السلام لما ركب السفينة حمل فيها من كلّ زوجين اثنين كما أمره اللّه تعالى ، فرأى في السفينة شيخا لم يعرفه ، فقال له نوح : ما أدخلك ؟ فقال : دخلت لأصيب قلوب أصحابك فتكون قلوبهم معي وأبدانهم معك . فقال نوح : اخرج منها يا عدو اللّه فإنك لعين . فقال له إبليس : خمس أهلك بهنّ الناس وسأحدّثك منهنّ بثلاث ، ولا أحدّثك باثنتين . فأوحى اللّه إلى نوح أنّه لا حاجة لك بالثلاث ، فليحدّثك بالاثنتين . فقال له نوح : ما الاثنتان ؟ فقال : هما اللتان لا تكذباني هما اللتان لا تخلفاني ، بهما أهلك الناس : الحرص والحسد . فبالحسد لعنت وجعلت رجيما ، وأمّا الحرص فإنه أبيح لآدم الجنة كلّها إلا الشجرة ، فأصبت حاجتي منه بالحرص . ومنها الشبع من الطعام : وإن كان حلالا صافيا ، فإن الشبع يقوّي الشهوات ، وهي أسلحة الشيطان . فقد روي أن إبليس ظهر ليحيى عليه السلام ، فرأى عليه معاليق من كل شيء ، فقال له : يا إبليس ما هذه المعاليق ؟ قال : هذه الشهوات التي أصبت بها ابن آدم . فقال : فهل لي فيها من شيء ؟ قال : ربّما شبعت فثقّلناك عن الصلاة وعن الذكر . قال : فهل غير ذلك ؟ قال : لا . قال : للّه عليّ أن لا أملأ بطني من الطعام أبدا . فقال له إبليس : وللّه عليّ أن لا أنصح مسلما أبدا . ومنها حبّ التزيّن من الأثاث والثياب والدار : فإن الشيطان إذا رأى ذلك غالبا على قلب الإنسان باض فيه وفرّخ ، فلا يزال يدعوه إلى عمارة الدار ، وتزيين سقوفها وحيطانها ، وتوسيع أبنيتها ، ويدعوه إلى التزين بالثياب والدواب ، ويستسخره فيها طول عمره ، فإذا أوقعه في ذلك فقد استغنى أن يعود إليه ثانية ، فإن بعض ذلك يجّره إلى البعض ، إلى أن يساق إليه أجله فيموت وهو في سبيل الشيطان ، واتّباع الهوى ، ويخشى من ذلك سوء العاقبة نعوذ باللّه . ومنها الطمع في الناس : فقد روى صفوان بن سليم أن إبليس تمثّل لعبد اللّه بن